Monday, February 13, 2012

ارتجالة

أنتقل بخفة بين المربعات التي يتشكل منها مدخل البيت، رائحة القرنفل تخترق روحي .. فأفرد ذراعي على اتساعهما وألقي بجسدي على العشب الأخضر ..

أفتح عيني بمجرد ارتطام جسدي بالأرض لأجدني على الأريكة في "غرفة الجلوس"، صوت مذيعة نشرة الأخبار الحيادي يربك مخيلتي التي لا تزال رطبة بصور الحلم، أقرر أن أخفض صوت التلفاز بدلاً من إغلاقه، وأخلع نظارتي وأعود مرة أخرى للنوم .. يخطر لي أني أصبحت تقليدية في أحلامي حيث لا يوجد سوى خيالي القريب عن بيت متسع بحديقة خضراء، يخطفني نوم ثقيل بأحلام متداخلة يركض فيها كل من عرفته في حياتي بفزعٍ لا أفهمه، أفتح عيني بعد زمن الحلم الطويل لأجد ذات المذيعة بأحمر شفاهها اللامع تقرأ بلا تعبير أخبارًا لا تحمل أي جديد! 
أتطلع إلى شاشة الموبايل  لسبب خفي أو ربما عادة قديمة ورثتها من زمن الانتظار، أتطلع إلى السماء من النافذة فوقي وأغمض مرة أخرى .. 
أشعر وكأني استيقظت بقرار سريع، أقفز من فوق الأريكة.. اتجه مبـاشرة إلى باب الشقة أفتحه وأنزل الدرج بسرعة.. في الشارع الخالي يتملكني الخوف ... أحاول أن أتذكر سبب نزولي إلى الشارع في هذا الوقت وحدي، أبحث عن طريقٍ للعودة ... أشعر بالضياع ... السقف وصوت المذيعة والسماء المائل لونها لحمرة غريبة! 
أقف تواجهني المرآة الكبيرة على طول الحائط أمامي فأتحاشى النظر إليها .. يزعجني شكل شعري غير المرتب فأحاول تسويته، الكلاب تنبح بفزع فيرتجف قلبي، أحاول تجاهل الفكرة، أنظر للسرير عن بعد أحاول أن أسلم جسدي .. لكني أتراجع! 
 
لمزيد من النصوص المرتجلة لأعضاء جماعة مغامير الأدبية أنقر هنا  ارتجالات مغامير

Thursday, February 9, 2012

خيالات


أكون معه، كأني لم أتركه لحظة، أرفع رأسي إلى وجهه الذي يعلوني بعدة سنتيمرات، أراه ممتلئا بالثقة في بقائنا معا، ، وأفكر "كنت فين؟"، جولتنا وسط الكتب المتناثرة حولنا دون أن تتضح عناوين أي منها، تلهيني عن شوقي الذي تفجر في لحظة ادراكي أن ذلك يحدث.. لكن ما يلبث أن يتسلل هواء الليل البارد إلى جسدي، أحاول التدثر بجاكت ثقيل أرتديه، يخطر لي أن جسر الكتب الذي نحاول ارتقاؤه كي نعبر بحر الآلام لن يقو على التماسك تحت ثقل خطونا.
أداري أفكاري كي لا تقرأها عيناه الشغوفتان بي وبالكتب، وأبتسم وأنا ألقي نكته لن تضحك سواه، يدفعنا مرور الوقت ناحية الافتراق، يرافقني دون سؤال كما اعتدنا حتى نصل إلى مكان يأمن علي فيه.. نتحرك في شوارع مضاءة بقمر مكبل بالسحب، توقفني جملة "ماعدش ينفع"، فيسحبني من يدي التي يصدمها دفء كفه.. تلوموني نفسي فأرد لها لومها.
أحرك جسدي ببطء، تهتز الصورة أمام عيني، وتبهت الألوان الغامقة، يخفت صوته الذي بدا لوهلة لآخر يشاركه الغياب، أقرر أن أخرج وأنا في طور الحنين، أفتح عيني بابتسامة!  




Friday, January 27, 2012

27 يناير 2011

كان يوم 27 تحضيري أكثر منه تفاعلي مع الحدث، كنا نحاول أن نعرف من من القوى السياسية قرر أن ينزل، كنا نتعلم كيف سنتصرف أثناء ضرب الغاز، التعليمات التي بدأت تنتشر عن حل الخل والبصل والكوكاكولا التي تغسل بها العين.
كنت أشعر يومها بشعوري طفلة بليلة العيد، مرتبكة أحاول أن أجهز ما سأرتديه، وما سنأخذه معنا دون حمولة تعيق الجري، لم أخبر أحدا من أهلي، كان الأصدقاء جميعا في نفس الحالة، قررنا أن نلتقي في وسط البلد، كنا أنا وزوجي وحسام عبد اللطيف وأحمد الحضري وأحمد عبيد ودينا الحصي، كنا تأكدنا أنها ثورة، تحدثنا عن احتماليات ما سيحدث لو خرج الناس حقا في جمعة الغضب ماذا ستكون ردة فعل النظام، توقعنا أن الشرطة ستفشل في التعامل مع المتظاهرين مما سيستدعي نزول الجيش، وكانت "حسبتنا" أن الجيش لن يطلق النار على الناس، إلا وحدات بعينها شتضرب مجموعة ليرتدع الباقي.
حاولنا الدخول على الانترنت من هواتفنا المححمولة لكن لم نتمكن، فاكتشفنا أنه تم قطع النت نهائيا، وتوقعنا قطع الاتصالات في اليوم التالي لذا حرصنا على أن نتفق على مكان وزمان اللقاء بالتحديد.
المضحك أن القهوة التي جلسنا عليها غالطتنا بشكل مثير للريبة في حساب المشروبات، دفعنا ونحن نردد أننا سنأتي غدا لنتظاهر أمامها وسنردعه على ما فعله معنا، تحركنا في الشوارع التي كانت تمتليء بسيارات الأمن المركزي، ومجموعات من الشباب تتحرك وهي تردد "لا إله إلا الله"، كان الجنود مكدسين في السيارات الزيتي الكئيبة ينظرون لنا بتوجس، وننظر لهم شزرا.
التقينا في الشارع بمحمد طلبة، وكان لابد أن نفترق، هنا نظر أحمد الحضري إلى وجوهنا وقال: "بكرة هيبقى بجد، لازم نبقى عارفين ده قبل ما ننزل عشان كل واحد ياخد قراره"، لوهلة ساد الصمت بينا، ثم تناوبت التعليقات بين الجد والهزل، لكن الفكرة خلقت تصميما جديدا للمضي في الثورة.
أنزلنا أحمد عبيد في المريوطية في شارع الهرم وكان لابد أن نرجعنقطع مسافة في شارع الهرم كي نصل بيوتنا أنا ووليد ودينا، في الشارع كانت الحالة غريبة جدا، سيارات الأمن المركزي منتشرة بطريقة مثيرة للريبة، متكتلة عند الطالبية وجامع السلام بعدها بشوارع، علق سائق الميكروباص: "أهو المظاهرات بقى وتكسير العربيات"، لم نحاول أن نعلق ونتحدث عن السلمية اكتفينا بـ "حسبي الله ونعم الوكيل"، كانت ليلة غريبة لا أدري كيف نمت لكني فعلت حقا، لتوقظني شمس الثامن والعشرين من يناير، لأشهد جمعة الغضب. 

Thursday, January 26, 2012

26 يناير 2011


في فجر السادس والعشرين من يناير الماضي، كنت أنا وزوجي نقطع شارع الهرم في محاولة لإيقاف تاكسي كي يأخذنا إلى المنزل، كان وليد عائدا من الميدان بعد أن قضى معظم ساعات الليل في أحدى شقق ميدان التحرير التي فتحت ابوابها للثوار الذين احتموا بالعمارة من بطش الأمن المركزي ولم يستطيعوا النزول إلا مع آذان الفجر، كنت أبيت ليلتها مع صديقتي في فيصل، مر علي وتحركنا سويا، مع دخولنا البيت بدأ يحكي عن شعوره الذي لم يتخبره من قبل الغضب والإهانة، صليت الفجر ودعوت أن يمن الله علينا بثورة مكتملة تعيد كرامتنا ونمنا، استيقظنا متأخرين تقريبا بعد آذان الضهر، كانت السويس قد زاد اشتعالها وتجمهر أهلها أمام المشرحة احتجاجا على سقوط أول شهيد في الثورة.
الشباب على الفيس بوك كان يتحدث عن مسيرات تجوب الشوارع، اتصلنا بأصدقاءنا، واتفق وليد معهم على أن يلتقوا في وسط البلد، طلب مني ألا أنزل في ذلك اليوم لأنه لا يأمن العواقب.
كان قد تم حظر الفيس بوك، لكن شباب الثورة كانوا قد جهزوا طريقة اختراق الحظر قبلها بعدة أيام تبادلنا البروكسي الجديد من خلال الإيميلات ودخلنا الفيس بوك، يومها كنت عند أختي ومعنا أمي، سألوا عما يحدث أجبتهم أنها ثورة، لم أخبرهم أني شاركت بالأمس وطبعا لم أخبرهم أن زوجي الآن هناك، حاولت أن أنقل لهم صورة متفائلة، لكن خوفهم من الموت والدماء كان أقوى، حتى أن أختي خشت على طفلها ذي الأربع سنوات، عندما رأتني أسجل له فيديو يردد فيه خلفي "الشعب يريد إسقاط النظام".
وليد كان يتابعني على التلفون، يتصل يخبرني بتحرك المسيرات التي كان يتم تفريقها وتعاود التجمع في شوارع وسط البلد المختلفة، كنت أنقل عنه على صفحتي على الفيس بوك تحت شعار "شاهد عيان"، كنت أشعر ليلتها بغليان البركان وبدأنا تداول صور الدعوات لجمعة الغضب.

Tuesday, January 10, 2012

هواجس

أرغب في التخلص من الحكي الذي يلطخ كتابتي يلطخ حياتي 
 
أرغب في التخلص من الصوت اللعين الذي يتحدث دوما في عقلي عن أشياء لم أرها من قبل لكنها تبدو أصدق من الحقيقة، ذلك الصوت الذي يعقد مقارنة دائما بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.. ويتركني معلقة في حبل سؤال لا إجابة له.
 
أرغب في أن افك أسر قلبي من تعلقه غير الإنساني بكل ما هو إنساني 

****

أستعين على الحياة بالنظرية.. 
أبني نظريات ثم أهدها وكأني ألعب فوق شاطيء أحاول أن ألصق الفشل في النظرية متجنبة القول بفشلي لا لسبب سوى أني أحاول التخلص من عادتي اليومية في جلد ذاتي.
 
أنا أحاول التخلص من بقايا البنت الحالمة التي لا تزال متعلقة بطرف ثوبي تلك التي كانت تخطو في الحياة بعنجهية الفاعل دون أن تلحظ أنها مفعول بها
 
الوقت الذي أسرفه في التفكير في طريقة عيش الحياة والاندهاش من الهوة بين ما هو في رأسي من اوهام عنها وما هي عليه بالفعل لا يترك لي الوقت كي أعيشها حقا، وهو ما يقذف في قلبي الخوف الخوف الأزلي الذي يوقطني بالليل أواجه نفسي الهائمة في الملكوت بسؤال واحد: هل اعيش الحياة كما أريدها أن أنها تتسرب من بين يدي دون أن أشبع منها؟ 
 
اعتقال لحظة هاربة يبدو ذلك الحلم الوحيد الذي أحيا لأجله

Wednesday, December 28, 2011

إلى عم صلاح جاهين في عيد ميلاده


دخل الربيع.. فتشت عنك يا عم صلاح.. الربيع الذي بشرت به وحذرت منه وضحكت له وبكيت عليه، سألته عنك.. فلم يجبني، شعرت بالفراغ الذي تركه غيابك في المشهد المزدحم بأبطاله، لامس الربيع حيرتي  فترك لي بدل وروده إليك كتاب رباعياتك فكان رفيقي المخلص في درب الوطن الطويل.. ورحل! تركني أبحث عنك في وجوه البشر الذين تذكروا هذا العام أن لهم وطنا يعيشون فيه ولهم حق يبحثون عنه مسترشدين بحكمتك الخالدة التي تقول:
شاف الطبيب جرحي وصف  له  الأمل
وعطاني منه مقام يا دوب  ما  اندمل
مجروح جديد يا طبيب  و جرحي لهيب
ودواك   فرغ مني ....   و إيه  العمل
والعمل كان إعادة صناعة الأمل، ولم يكن ذلك ممكنا سوى بالدم، الذي سال في الشوارع معلنا نهاية أيام الاستعباد التي بشرت بها:  إقلع     غماك   يا تور   وارفض   تلف.. إكسر   تروس   الساقية  و  اشتم وتف
كسرنا تروس الساقية وكسرنا معها الخوف الذي كبلتنا به السنوات الطويلة، وكسرنا القاعدة التي تم تلقينها لجيلنا وما سبقنا من أجيال عن أن "من خاف سلم" وأن "الحيطة" دائما هي ملاذنا الآمن مادمنا ملتزمين بها.. كسرنا الطوق وشبينا وأعتقد أنك سمعت هتافنا فأجبتنا:
سمعت نقطة ميه جوه المحيـــــــط
بتقول لنقطه ما تنزليش في الغويط
أخاف عليكي م الغرق .. قلـــــت أنا
ده اللي يخاف م الوعد يبقي عبيط
لنلاقي وعدنا المكتوب في الميدان الذي غنيت له منذ عقود، فكانت الثورة التي أعادت لمصر الروح فصرخنا من النشوة رغم قسوة الأيام:
صورة صورة صورة كلنا كده عايزين صورة
صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة
صورنا يا زمن يازمن صورنا
هنقرب من بعض كمان هنقرب من بعض كمان
واللي هيبعد من الميدان اللي هيبعد م الميدان
عمره ما هيبان في الصورة
اتحدت صفوفنا واجهنا أمواج الموت المتتالية، وأمواج القهر السلطوي والشعبي لفكرة صدقناك حينما نطقت بها في عرض أشعارك:
خوض معركتها زي جدك ما خاض
صالب وقالب شفتك بامتعاض
هي كده ما تنولش منها الأمل
غير بعد شد وجذب أوجاع مخاض
وكان مخاضا صعبا برغم البشاير التي حملتها لنا أيامه الأولى، ربما لازلنا نعاني أثره حتى اليوم، لكننا لم نهزم ولم ننكسر، تحملنا خسارات الأرواح في سبيل الحياة لوطن عشت عمرك تتغنى باسمه
على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء
باحبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب
وباحبها وهي مرميه جريحة حرب
باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
واكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء
واسيبها واطفش في درب وتبقى هي ف درب
وتلتفت تلقيني جنبها في الكرب
والنبض ينفض عروقي بألف نغمة وضرب
على اسم مصر
مصر التي اكتشفت شبابها الذين خرجوا من أجلها، من غفلت عنهم بسبب جور حكامها، فأعادت صياغة حاضرها لصناعة مستقبل جدير بهؤلاء الأبطال، شبابها الذين هم أبنائك أنت من حفظوا رباعياتك ورددوها مع على الحجار ومحمد منير وتربوا على صوت عبد الحليم يغني للوطن وسعاد حسني تغني للربيع رفيقك ورفيق ثورتنا الذي حمل لك ورودا وتركها بجانب قبرك لينطلق عبيرها ويوقظ روح مصر في ثورة شبابها
كم افتقدتك يا عم صلاح في ليل الميدان البارد، كم تمنيت لو تطل بجسدك الضخم تمر بنا ونحن على الأرض نناور الموت وننتظر الحياة تأتي في هيئة بيان!
لكن طيفك لم يزرنا، زارنا أصحاب الزي "الكاكي" وأطالوا الزيارة، ولم ونسلم منهم أيضا، يظل العسكر هم العسكر في بغداد أو الجزاير أو التحرير
انا كل   يوم   أسمع ........ فلان  عذبوه
أسرح     في    بغداد و الجزاير   واتوه
ما أعجبش م اللي يطيق بجسمه العذاب
و اعجب   من اللي   يطيق   يعذب أخوه
يظل الدم في الشوارع يغرقنا في سؤالك الذي ظل معلقا في أجواء الثورة التي تخطو خطواتها الأولى إلى أن تغدو دولة بالمعنى المفهوم
علي رجلي دم .. نظرت له ما احتملت
علي إيدي دم.. سألت ليه ؟ لم وصلت
علي كتفي دم.. و حتي علي رأسي دم
أنا  كلي دم .. قتلت ؟ ..... والا اتقتلت
عجبي !!
دائما ما كنت تستخدم الأسئلة، ظلت أسئلتك بابك المفتوح للوصول إلى إجابات أصدق أنك كنت تعرفها لكنها ظلت هناك في قلبك الممتليء بحب الوطن ذلك الوطن الذي مرضنا به في عامنا هذا، لنقف في يوم ذكراك هذا نرثي إبداعك الذي كان رهنا له ونرثي وطننا الذي أصبحنا رهنا له! لا نملك سوى أن نردد
كام اشتغلت يا نيل في نحت الصخور
مليون بئونه و الف مليون هاــــتور
يا نيل أنا ابن حلال و من خلفتــــــك
و ليه صعيبه علي بس الأمــــــــور
وعجبي !!!

Saturday, December 24, 2011

الأمن والدماء

اتساءل وأنا أحاول ألا أبدو متجنية على الدين الذي يتحدث عنه رجال عرفناهم أهل دين، هل يوافق الدين على قتل الناس وسحلهم في الشوارع هل يوافق الدين على تعرية النساء وهتك اعراضهن؟ تأتيني الإجابة من الشيخ صبري مسعود الذي أثق في رأيه وأعرف أنه لن يجانب الحق إرضاء لميل أو هوى
اشتكيت له قلة حيلتي قائلة:
أنا بحاول اتكلم معاك يمكن تقولي كلمة تشفي غليلي خصوصا ان معظم من يتكلمون باسم الدين دلوقتي بيتكلموا بطريقة مافيهاش انسانية، واللي اقدر اقول على قلة علمي إنه مش من الدين اللي أنا اعرفه
فرد علي بحسم:
يا هدى ماينفعش نسيب اي حد يتكلم ونقول ان ده الدين
اللي حصل لايمت للدين بصلة
دي جريمة على مستوى الدين والوطن والإنسانية
فكرت أن معنى الإنسانية سقط بدافع خوف تم إطلاق كلابه علينا في ليلة الثامن والعشرين من يناير، خوف جعل قبول الإستبداد والقتل والسحل أمرا هينا في سبيل وعود بالأمن في المستقبل.
لا أجد أن ذلك غير منطقي، الإنسان في الغالب كما يقول نعوم تشومسكي يميل إلى تصديق أن الغد سيكون أفضل، لكن في دولة كمصر عانت من نظام بوليسي قهر المواطن العادي على مدى عشر سنوات يقوى على مقاومة هؤلاء البلطجية ذاتهم (الرسميين وغير الرسميين) من قبل، المواطن العادي الذي يخشى اليوم من جموع تتحرك حاملة صوتها سلاح، أكثر مما يخشى من مدرعات تدهس البشر وسلاح يسحل ويعري البنات، ماهو المنطق الذي بناه هؤلاء في عقولهم فجعلهم يصدقون وعود الأمان للدرجة التي تنكر الواقع؟
متى تم استلال الإنسانية من مفاهيم هؤلاء فبات الحديث عن الكرامة والحرية والعدالة، من ضروب الخيال لا تصلح كإجابات لإسئلة يصدرونها في مواجهة صور الدم: "إيه اللي وداهم هناك؟"، مفاهيم حتى من يلبسون أنفسهم رداءها بدأوا يطالبون بإسقاطها تحت المسمى الأكثر سطوة هذه الأيام وهو الإستقرار والأمن.. وكأن لسان حالهم يقول: ملعونة الحرية اللي جاية في ديل الخوف.
الغريب أنهم يتكأون على الدين في ما يروجون له من منطق ولا أدري كيف صار الدين –فجأة- مناهضا للإنسانية، كيف أصبح دم المرء مستباحا وتساق الآيات التي تدلل على استباحته، كيف أصبح عرض المرأة منتهكا، دون أن نلتفت إلى الآيات التي تحرم الخوض في أعراض النساء؟
أصبحت الإهانة إهانتين الآن إهانة الإنسان وإهانة الدين والإفتراء عليه.. سيظهر لي من يقول أني لا أعرف من الدين ما يعرفون وأن ما يقولونه مكتوب في الكتب التي قضوا أعمارهم يقرأونها ويتفحصون سطورها.. أقول لهؤلاء في حالة دفاعية استباقية عن نفسي.. أعرف ربي الذي كرم الإنسان ورفع قدره والذي صان المرأة وأجلها وحرم المساس بها ولو بكلمة.. أعرف إيماني العميق الذي يقضي بأن الله لا يرضيه منظر الدماء في الشارع ولا يرضى عمن يرضيهم ذلك.